مدونة سيف راشد الحصان الشامسي

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) سورة طه

إن كنت تدري فهذه مصيبةُ، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم

الضربات الإسرائيلية لقطر: كذبة أمريكا ونفيها علمها بانتهاك السيادة

يجسد المثل العربي القديم إن كنت تدري فهذه مصيبةُ، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم حقيقة الموقف الأمريكي من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت دولة قطر في 9 سبتمبر 2025، منتهكة بذلك سيادتها وضاربة بعرض الحائط لكل المواثيق الدولية المتعارف عليها. فإما أن تكون أمريكا قد علمت مسبقاً بهذه الضربات وتواطأت معها، وهذه مصيبة كبيرة، وإما أنها لم تعلم بها من حليفها الأقرب، وهذه مصيبة أعظم.

نفي أمريكا المفضوح: التسريبات الإسرائيلية تكشف الحقيقة

تدعي الولايات المتحدة أنها لم تُبلغ بالضربات الإسرائيلية على قطر إلا بعد إطلاق الصواريخ، وأن الرئيس ترامب لم يتمكن من منع الهجوم. لكن التسريبات الإسرائيلية تفضح هذا النفي الأمريكي بوضوح صارخ. فوفقاً لتقرير موقع “أكسيوس” الذي اعتمد على سبعة مسؤولين إسرائيليين، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالضربة قبل حوالي 50 دقيقة من تنفيذها .timesofisrael+2

يقول مسؤول إسرائيلي كبير: كان ترامب على علم بالضربة قبل إطلاق الصواريخ. أولاً جرت مناقشة على المستوى السياسي بين نتنياهو وترامب، وبعدها عبر القنوات العسكرية. ترامب لم يقل لا. ويضيف مسؤول إسرائيلي آخر: لو أراد ترامب إيقافها، لكان بإمكانه ذلك. عملياً، لم يفعل. وأكد مسؤول ثالث أن الصواريخ لم تكن أُطلقت بعد عندما تحدث ترامب ونتنياهو، وأن إسرائيل كانت ستلغي الضربة لو اعترض ترامب عليها .axios+1

تبرير إسرائيل: “الغاية تبرر الوسيلة

يكشف الموقف الإسرائيلي عن إيمان راسخ بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المواثيق الدولية مجرد واجهة لتلميع الصورة. فقد برر نتنياهو الهجوم بالقول: قطر مرتبطة بحماس، تأوي حماس، تمول حماس. لديها وسائل ضغط قوية (كان بإمكانها استخدامها)، لكنها اختارت عدم فعل ذلك، لذلك كان عملنا مبرراً تماماً .ndtv

وفي تصريحات تكشف ازدراءه للقانون الدولي، هدد نتنياهو دولاً أخرى قائلاً: “أقول لقطر وجميع الدول التي تأوي الإرهابيين، إما أن تطردوهم أو تحاكموهم. لأنه إن لم تفعلوا ذلك، فسنفعل نحن. وزعم نتنياهو أن أيام استمتاع قادة الإرهاب بأي شكل من أشكال الحصانة قد ولت، مضيفاً: “لن أسمح بأن تستمر هذه الحصانة .reuters+2

المواقف الأمريكية المتناقضة: دعم مقنع ونقد شكلي

رغم انتقاد ترامب العلني للضربة، إلا أن المواقف الأمريكية الفعلية تكشف عن دعم مبطن للعدوان الإسرائيلي. فبينما قال ترامب إنه غير سعيد جداً بكل جانب من الهجوم، إلا أن متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت أكدت أن القضاء على حماس، التي استفادت من معاناة سكان غزة، هدف جدير“. وهذا التصريح يكشف أن الإدارة الأمريكية تدعم أهداف الهجوم وإن انتقدت الوسيلة .abcnews.go

ولعل الأكثر فضيحة هو موقف أعضاء الكونغرس الأمريكي. فقد أعرب رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ روجر ويكر عن دعمه قائلاً: “أؤيد ذلك. أعتقد أن حماس يجب أن تُدمر، ولا معنى لاتخاذ تدابير نصفية“. وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية جيم ريش: “لو كنت قائداً في حماس شاركت في غزو إسرائيل، فأنت في خطر، هذا أمر مفروغ منه .jewishinsider

انتهاك صارخ للسيادة والقانون الدولي

تمثل الضربات الإسرائيلية على قطر انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. فقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم بأنه انتهاك صارخ لسيادة قطر وسلامتها الإقليمية“. ووصف مجلس الأمن الدولي، بدعم أمريكي، الهجوم بأنه يمثل انتهاكاً لسيادة قطر .bbc+1

وقد استهدف الهجوم مجمعاً سكنياً في الدوحة مخصصاً لفرق التفاوض، الذي كان يأوي ممثلي حماس وعائلاتهم. وأسفر عن مقتل ستة أشخاص، من بينهم ضابط أمن قطري، دون أن ينجح في قتل أي من القيادات المستهدفة .press.un+2

الهدف الحقيقي: تدمير جهود السلام

الأخطر من كل ذلك أن الهجوم جاء بينما كان قادة حماس يجتمعون لمناقشة اقتراح وقف إطلاق النار الأمريكي. قال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري: “من الواضح أن أحد الأطراف يطلب منا تسليم اقتراح للطرف الآخر، وعندما نبدأ الاجتماع مع الطرف الآخر حول هذه الاقتراحات، يقصفون بلدنا – يقصفون الوسيط والأماكن التي تجري فيها المحادثات – هذا يرسل رسالة واضحة جداً بأنه لا يوجد شيء صالح في المحادثات .press.un+1

الخلاصة: نفاق مفضوح وازدواجية معايير

تكشف هذه الواقعة عن النفاق المطلق للموقفين الأمريكي والإسرائيلي. فكلاهما يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن القوانين والمواثيق الدولية لا تطبق إلا على الآخرين. إن نفي أمريكا علمها المسبق بالضربة، رغم التسريبات الإسرائيلية التي تؤكد إبلاغ ترامب قبل 50 دقيقة، يؤكد أن الإدارة الأمريكية تكذب على العالم وتتواطأ مع العدوان.

وعندما يقول نتنياهو إن الأيام التي يتمتع فيها قادة الإرهاب بأي شكل من أشكال الحصانة قد ولت، فإنه في الحقيقة يعلن إلغاء القانون الدولي وحق الدول في السيادة. وعندما يهدد دولاً أخرى بالقول إما أن تطردوهم أو تحاكموهم، وإلا فسنفعل نحن، فإنه يعلن نفسه شرطي العالم الذي يحق له انتهاك سيادة أي دولة متى شاء.

ازدواجية المعايير: إرهاب الدولة مقابل “مقاومة الإرهاب

بغض النظر عن عدم اتفاقي مع سياسات حركة حماس، فإن هناك حقيقة صارخة تكشف عن الازدواجية المطلقة في تطبيق مصطلح “الإرهاب”. فبينما يسهل توجيه تهمة الإرهاب لأي عربي أو مسلم، نجد أن إرهابيي الدولة” الذين يمارسون الإبادة الجماعية علناً بالفعل والقول يُعتبر تصنيفهم كإرهابيين “معاداة للسامية”!

تصريحات إسرائيلية صريحة تدعو للإبادة الجماعية

تكشف قاعدة بيانات منظمة “القانون من أجل فلسطين” الأوروبية عن أكثر من 500 حالة تحريض إسرائيلي على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في غزة. وتشمل هذه التصريحات مسؤولين في أعلى المستويات، من الرئيس، ورئيس الوزراء وأعضاء الكنيست والعسكريين .trt

يقول الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ: “لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة”. ويهدد وزير الدفاع السابق يوآف غالانت بالإبادة الجماعية قائلاً: “ما نفعله في غزة، نعرف كيف نفعله في بيروت”. أما هرتسوغ فقد اعتبر أن الأمة بأكملها مسؤولة عن هجوم حماس .english.elpais+1

وزراء إسرائيليون يدعون لاستخدام الأسلحة النووية

في تصعيد مرعب للخطاب الإجرامي، دعا وزير التراث الإسرائيلي أميحاي إلياهو إلى إسقاط قنبلة نووية على غزة، قائلاً: “هذه إحدى الطرق”. وعندما أُشير إليه بوجود 240 رهينة في غزة، ردّ بقوله: “هناك ثمن يُدفع في الحرب. لماذا تكون حياة المختطفين أهم من حياة الجنود؟ .timesofisrael

ويضيف إلياهو في تصريحات تكشف عن عمق الفكر الإجرامي: “يمكنهم الذهاب إلى أيرلندا أو الصحاري؛ الوحوش في غزة يجب أن تجد حلاً بنفسها”. وقال إن شمال القطاع ليس له الحق في الوجود، مضيفاً أن أي شخص يرفع علم فلسطين أو حماس يجب ألا يستمر في العيش على وجه الأرض .timesofisrael

التطهير العرقي كسياسة رسمية

يقول وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش: “خلال بضعة أشهر، سنكون قادرين على إعلان أننا انتصرنا. غزة ستُدمر تماماً، متوقعاً أن يصبح أهل غزة يائسين” ويفرون نهائياً. وصرح قائلاً: “نحن ننفذ الآن نكبة غزة .mecouncil+1

أما وزير الزراعة آفي ديختر فقد أعلن في نوفمبر 2023: “نحن ننفذ الآن نكبة غزة، في إشارة صريحة للتطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينيون عام 1948 .lemonde

خطاب إبادي من أعضاء الكنيست

عضو الكنيست نيسيم فاتوري دعا إلى محو غزة من على وجه الأرض”. بينما برر نواب آخرون ضرورة قتل الأطفال وتدمير الإقليم”. وعندما حاولت طبيبة من منظمة إنسانية إسرائيلية شرح ضرورة علاج الأطفال، قاطعها عضو الكنيست عميت هاليفي قائلاً: “لست متأكداً من أنك تتحدثين باسمنا عندما تقولين إننا نريد علاج كل طفل وكل امرأة .lemonde

تصريحات عسكرية تدعو للإبادة

قال غسان علیان، منسق أنشطة الحكومة في الأراضي المحتلة: “الحيوانات البشرية يجب أن تُعامل كما هي”. أما الجنرال المتقاعد جيورا إيلاند فقد دعا عدة مرات لجعل الإقليم غير صالح للعيش مؤقتاً أو دائماً، مبرراً قتل النساء بالقول: “من هن نساء غزة ‘المساكين’؟ إنهن جميعاً أمهات وأخوات وزوجات قتلة حماس .lemonde

النفاق الأمريكي والغربي

بينما تُصنف هذه التصريحات الصريحة للإبادة الجماعية والتطهير العرقي على أنها “دفاع عن النفس”، فإن أي انتقاد لهذه الجرائم يُوصف بـ”معاداة السامية”. هذا النفاق يكشف أن مصطلح “الإرهاب” أصبح سلاحاً سياسياً انتقائياً يُستخدم لشيطنة المقاومة العربية والإسلامية بينما يُطلق على أبشع جرائم الحرب والإبادة الجماعية اسم “الدفاع عن النفس”.

إن منظمة “أمنستي الدولية” خلصت إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، ولجنة تحقيق الأمم المتحدة المستقلة أكدت أن إسرائيل ارتكبت أربعة من أصل خمسة أفعال إبادة جماعية”. وقد وثقت اللجنة أن المسؤولين الإسرائيليين، بما في ذلك نتنياهو وهرتسوغ وغالانت، “حرضوا على الإبادة الجماعية” من خلال تصريحاتهم العلنية .aljazeera+3 هذه الازدواجية تؤكد أن النظام الدولي الحالي قائم على العنصرية المؤسسية حيث تُطبق قوانين مختلفة على شعوب مختلفة حسب الهوية والانتماء، وليس حسب طبيعة الأفعال أو خطورة الجرائم المرتكبة.