الشريعة تعتبر القاصر غير أهل للتكليف والمسؤولية، ولا يجوز له التصرف في ماله أو شؤونه بدون وصاية أو قيام من هو أولى به بحقه. ولكن لماذا تتعامل بعض إدارات الموارد البشرية في بعض جهات العمل بمختلف أنواعها مع موظفيهم كقصر مع أنهم أشخاص كاملي الأهلية من وجهة نظر القانون والشريعة الإسلامية؟ لا شك في أن إدارات الموارد البشرية في مختلف جهات العمل في كافة القطاعات تؤدي دوراً هاماً في تحقيق أهداف المنظمات التي تتبعها، وزيادة رضا وإنتاجية الموظفين.
ولكن في بعض الحالات، قد تتعامل بعض إدارات الموارد البشرية مع موظفي المنظمة بطريقة تشبه التعامل مع القصر، لا سيما فيما يتعلق في إدارة العمل، أو المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس المسار الوظيفي للموظف. فما هي أسباب هذا التعامل؟ وما هي آثاره على العلاقة الوظيفية بين صاحب العمل والموظف؟
من الممكن أن يكون لهذا التعامل عدة أسباب، منها:
- الثقافة الإدارية: قد تكون هناك ثقافة إدارية سائدة في بعض المنظمات تركز على السلطة والهيمنة والتحكم، وتقلل من قيمة الموظفين وآرائهم وطموحاتهم. وقد تنعكس هذه الثقافة على سياسات وإجراءات الموارد البشرية، مما يجعلها غير مرنة وغير محفزة للابتكار والتطور.
- نقص المؤهلات: قد يكون بعض مديري ومسؤولي الموارد البشرية غير مؤهلين بدرجة كافية لأداء دورهم بفعالية، أو غير مطلعين على أحدث الممارسات والاتجاهات في مجال إدارة الموارد البشرية. وهذا قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة أو غير مناسبة لحالة كل موظف، أو إلى التمسك بطرق تقليدية وروتينية في التعامل مع الموظفين.
- الخوف من التغيير: قد يخشى بعض مديري الموارد البشرية من التغيير أو من فقدان سلطتهم أو نفوذهم إذا سمحوا للموظفين بالمشاركة في اتخاذ القرارات أو تحديد مساراتهم الوظيفية. وقد يرون في ذلك تهديداً لأمنهم الوظيفي أو لسمعتهم الإدارية.
حين تتعامل إدارات الموارد البشرية مع الموظفين وكأنهم قاصرون، يكون ذلك من خلال فرض قواعد وسياسات صارمة عليهم، وتحد من حريتهم ومسؤوليتهم، وتتحكم بشكل مبالغ فيه في مسارهم الوظيفي وتطويرهم. هذا الأسلوب قد يؤدي إلى خلق بيئة عمل غير محفزة وغير مرضية للموظفين وربما غير صحية على الإطلاق، وقد يؤثر سلباً على أدائهم وولائهم.
بعض المؤشرات على كيفية تعامل إدارات الموارد البشرية مع الموظفين وكأنهم قاصرون، هي:
- غياب آلية حقيقية لتقييم الأداء، وإن وجدت فإن مخرجاتها لا يتم الرجوع إليها أبداً إلا بشكل انتقائي فقط، بحيث تطبق على فئة من الموظفين فقط دون غيرهم.
- فرض نظام زمني محدد لبدء وانتهاء العمل، والتسجيل بالبصمة أو بطاقة العمل، وعدم وجود مقياس حقيقي للإنتاجية.
- التدخل في قرارات التعيين والترقية والإحالة للتقاعد دون مراعاة رأي المدير المباشر أو الموظف نفسه.
- عدم تشجيع الموظفين على التعلم والابتكار والإبداع، أو تقديم فرص تطوير مهني محدودة أو غير مناسبة أو شكلية.
- عدم الاستماع إلى شكاوى، أو اقتراحات الموظفين، أو تجاهلها أو التقليل من شأنها.
أما بالنسبة لآثار هذا التعامل، فإنها قد تكون سلبية على كل من صاحب العمل والموظف، فقد يؤدي إلى:
- انخفاض رضا الموظف: قد يشعر الموظف بالإحباط أو الاستياء من التعامل الذي يتلقاه من إدارة الموارد البشرية، وقد يفقد الثقة بقدرته على التأثير في مستقبله الوظيفي. وهذا قد ينعكس سلباً على مستوى التزامه وولائه للمنظمة، وقد يدفعه إلى البحث عن فرص عمل أخرى.
- انخفاض إنتاجية الموظف: قد يتأثر أداء الموظف بالتعامل الذي يتلقاه من إدارات الموارد البشرية، وقد ينخفض مستوى إنتاجيته وجودة عمله. وهذا قد يؤدي إلى تراجع نتائج المنظمة وتنافسيتها في السوق، وقد يزيد من معدلات التغيير والغياب والانقطاع عن العمل.
- انخفاض جاذبية المنظمة: قد تفقد المنظمة جاذبيتها كمكان عمل مرغوب فيه، إذا كان لديها سمعة سيئة في مجال إدارة الموارد البشرية. وهذا قد يصعب عليها استقطاب واحتفاظ بالموظفين المؤهلين والموهوبين، وقد يزيد من تكاليف التوظيف والتدريب.
إذن، كيف يمكن لمديري الموارد البشرية تجنب هذا التعامل؟
من الممكن أن يتبع مديرو الموارد البشرية بعض الخطوات لتحسين طريقة تعاملهم مع الموظفين، وزيادة رضاهم وإنتاجيتهم، مثل:
- تطوير ثقافة إدارية تشجع على الانفتاح والحوار والشراكة بين صاحب العمل والموظف، وتحترم حقوق وكرامة وطموحات الموظفين، وتسعى إلى تحقيق رؤية وأهداف مشتركة.
- تحسين المؤهلات الإدارية والمهارات الشخصية لمديري الموارد البشرية، وتزويدهم بالمعلومات والأدوات اللازمة لأداء دورهم بكفاءة، وتحديث معارفهم بأحدث الممارسات والاتجاهات في مجال إدارة الموارد البشرية.
- تغيير نظرة مديري الموارد البشرية إلى التغيير، والتعامل معه كفرصة للتطور والابتكار، وليس كتهديد أو خطر. كما يجب أن يثقوا بقدرات الموظفين ويمنحوهم الحرية والمسؤولية في التصرف في شؤونهم الوظيفية، ويشجعوهم على المبادرة والإبداع.
- تعزيز مشاركة الموظفين في اتخاذ القرارات التي تؤثر في مسارهم الوظيفي أو على نتائج المنظمة، والاستماع إلى آرائهم واقتراحاتهم وشكاويهم، والتعامل معها بجدية وشفافية.
- تطبيق سياسات وإجراءات الموارد البشرية بعدالة وموضوعية، وتقييم أداء الموظفين بناءً على معايير واضحة ومحددة، وتقديم المكافآت والحوافز للموظفين الذين يحققون أهدافهم أو يتجاوزونها.
- تطبيق نظام العمل المرن، الذي يسمح للموظفين باختيار زمان ومكان عملهم بحسب احتياجاتهم وظروفهم، وبما يحقق مصلحة المنظمة.
- تشجيع ثقافة التغذية الراجعة المستمرة، والتواصل الفعال، والاستماع إلى آراء ومشاعر الموظفين، والتعامل معهم بصدق واحترام.
- تمكين الموظفين من المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بأعمالهم ومسارهم الوظيفي، وإشراكهم في تحديد الأهداف والخطط والمؤشرات.
- تقديم فرص تطوير مهني متنوعة ومناسبة لاحتياجات وطموحات الموظفين، ودعمهم في التعلم والتحسين المستمر.
- تقدير جهود وإنجازات الموظفين، والاحتفاء بهم، وتقديم مكافآت وحوافز مادية أو معنوية تحفزهم على الأداء الأفضل.
خاتمة
إن إدارة الموارد البشرية هي علم وفن في آن معا، يتطلب من مديريها المزج بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وبين القواعد الإدارية والحس الإنساني. فالموظف ليس قاصراً أو جاهلاً أو عاجزاً، بل هو شريك في نجاح المنظمة، وعامل في تطورها. فلتحترم حقوقه وكرامته، ولتستثمر قدراته وطاقاته. فبذلك يتحقق رضاؤه ومن ثم زيادة إنتاجيته، فتزيد جاذبية المنظمة وتنافسيتها. وفي هذا السياق، قد يقول إنسان “إدارة الموارد البشرية هي شريك استراتيجي للمنظمة، وليس مجرد قسم إداري. يجب أن تسعى إلى خلق علاقة قائمة على الثقة والاحترام مع الموظفين، وتعاملهم كأفراد ناضجين وليسوا قاصرين، قادرين على تحمل المسؤولية وعلى الابتكار بما يحقق المصلحة العامة”.
