مدونة سيف راشد الحصان الشامسي

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) سورة طه

هرم خوفو: درس لمشاريع الإنشاء الحالية

هرم خوفو هو أكبر وأشهر الأهرامات الثلاثة في الجيزة، وهو أحد عجائب الدنيا السبعة القديمة التي بقيت قائمة حتى يومنا هذا. يعتبر هذا الهرم تحفة معمارية وهندسية لبناء مقبرة ضخمة للملك خوفو، ثاني ملوك الأسرة الرابعة (2575-2465 ق.م) في عصر الدولة القديمة.

يقول المؤرخ اليوناني هيرودوت أن بناء هذا الهرم استغرق 20 عامًا وشارك فيه 100 ألف عامل. ويبلغ ارتفاعه 146 مترًا (481 قدمًا)، وهو ما جعله أطول بناء صنعه الإنسان لآلاف السنين حتى تفوقت الابنية المعاصرة عليه قبل بضع مئات من السنين. ويغطي هذا الهرم مساحة 13 فدانًا، وصُمِّم ليتماشى مع نقاط البوصلة، وبُني من حوالي 2.3 مليون حجر، يزن كل منها طنًا أو أكثر. وقد استخدم العمال منحدرات لتحريك حجارة البناء ووضعها في مكانها على الهرم.

إذًا، يُظهِر هذا المثال كيف كانت قديمًا التقنية المتوفرة تحد من سرعة إنجاز المشروعات، لكن في نفس الوقت كان هناك إبداع وابتكار في التغلب على هذه التحديات وإخراج عمل فني رائع يدهش العالم.

أمَّا في عصرنا الحالي، فإن التقدُّم التكنولوجي والآلات الضخمة التي تسهِّل وتسرِّع عملية البناء في أزمان قياسية قد جعل من المفترض أن تكون المشروعات سهلة وسريعة التنفيذ. لكن للأسف، نجد بعض المشاريع في مبانٍ عادية لمؤسسات وهيئات تستغرق فترات غير مبرَّرة قد تصل إلى نصف مدة بناء هرم خوفو أو تتجاوزها! وذلك رغم أن المدَّة المُعلَنَ عنها عند إطلاق المشروع تم تجاوزها بفترات طويلة جدًا! فما هي الأسباب التي تؤدي إلى هذه التأخيرات؟ وهل يمكن تجنبها أو التقليل منها؟

هناك العديد من العوامل التي قد تسبب تأخيرات في المشاريع الإنشائية سواءً كانت مجتمعة أو منفردة، ومن أبرزها:

– تغيير نطاق المشروع: عندما يطلب العميل إضافة أو حذف أو تعديل بعض الأعمال بعد بدء المشروع، فإن ذلك يؤثر على الموارد والجدول الزمني والتكاليف، وقد يحتاج إلى إجراء دراسات جديدة أو الحصول على موافقات جديدة.

– تعقيد المشروع: كلما كان المشروع أكثر تعقيدًا وتنوعًا في الأنشطة والمواد والتقنيات، كلما زادت احتمالية حدوث مشاكل أو خطأ أو نقص في التنسيق بين الأطراف المشاركة.

– التخطيط غير الكافي: عدم وضوح الأهداف والمتطلبات والمسؤوليات والمخاطر قبل بدء المشروع قد يؤدي إلى فوضى وتضارب في التنفيذ، وقد يحتاج إلى إعادة العمل أو التفاوض أو التصحيح.

– جدول زمني غير مناسب: عدم وضع جدول زمني مفصل وواقعي للمشروع قد يؤدي إلى عدم مراعاة الهامش الزمني للتأخيرات المحتملة أو التسلسل الصحيح للأنشطة أو التغيرات المتوقعة، مما يزيد من احتمالية حصول اختلافات أو صراعات بين الأطراف المشاركة.

– تغير التصميم: عندما يتغير التصميم الأولي للمشروع بسبب متطلبات جديدة أو ملاحظات من الجهات المرتبطة بالمشروع أو مشكلات فنية، فإن ذلك يؤثر على سير العمل والجودة والتكاليف، وقد يحتاج إلى شراء مواد جديدة أو استبدال مواد قديمة أو إزالة أجزاء من المبنى.

– تقدير هندسي غير دقيق: عدم استخدام طرق علمية وفعالة لتقدير كمية المواد والتكاليف والزمان قبل بدء المشروع قد يؤدي إلى نقص أو فائض في الموارد، أو اختلاف بين المخطط والمنفذ، أو تضارب بين التقديرات والفواتير.

– إدارة غير فعالة للمواد والمعدات: عدم توفير المواد والمعدات اللازمة في الوقت المناسب أو عدم صيانتها بشكل جيد قد يؤدي إلى تأخير في بدء، أو استكمال الأعمال، أو حدوث عطل، أو خسارة في المواد أو المعدات.

هذه بعض من الأسباب التي قد تؤدي إلى تأخير في المشاريع الإنشائية، وهناك غيرها من الأسباب التي قد تكون خارجة عن سيطرة الأطراف المشاركة، مثل الظروف الجوية أو الإضرابات أو الحروب. في هذه الحالات، يجب على الأطراف التفاهم والتعاون لإيجاد حلول مناسبة تحفظ حقوقها وتضمن استكمال المشروع.

ولكن كيف يمكن تجنب أو التقليل من التأخيرات في المشاريع الإنشائية؟ هناك بعض الإجراءات والإستراتيجيات التي يمكن اتباعها لتحقيق هذا الهدف، ومنها:

– تحديد التوقعات الواقعية: يجب على الأطراف المشاركة في المشروع أن تكون واضحة وصريحة في تحديد أهدافها ومتطلباتها ومسؤولياتها ومخاطرها قبل بدء المشروع، وأن تتفق على جدول زمني معقول ومرن يتيح المجال للتغيرات المحتملة.

– تحديث عقد الإنشاء: يجب على الأطراف المشاركة في المشروع أن تضمن في عقد الإنشاء بنودًا تحدد آلية التعامل مع التأخيرات والتغيرات والمطالبات، وأن توضح حقوقها وواجباتها في حالة حصول أي من هذه الحالات، وأن تتبع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في العقد.

– مراعاة مواعيد الرسائل والإخطارات: يجب على الأطراف المشاركة في المشروع أن تلتزم بإرسال الرسائل والإخطارات المطلوبة في حالة حصول أي تأخير أو تغيير أو مطالبة، وأن تحافظ على سجل مكتوب لكل هذه المراسلات، وأن تتبع الشروط والمهل المحددة في العقد لإثبات حقوقها أو دفاعها.

– تشجيع التعاون والشفافية: يجب على الأطراف المشاركة في المشروع أن تتواصل بانتظام وبصورة فعالة، وأن تتبادل المعلومات والآراء بشكل صادق وموضوعي، وأن تسعى إلى حل المشكلات بروح التفاهم والتسامح، وأن تضع مصلحة المشروع فوق أي اعتبار آخر.

– التفاوض: يجب على الأطراف المشاركة في المشروع أن تكون مستعدة للتفاوض في حالة حصول أي خلاف، أو نزاع بسبب التأخيرات ،أو التغيرات أو المطالبات، وأن تحاول إيجاد حلول مرضية لجميع الأطراف، وأن تتجنب اللجوء إلى التحكيم أو التقاضي؛ إلا كآخر ملاذ.

في الختام، نستطيع أن نقول إن بناء هرم خوفو ليس إلا مثالًا واحداً للتغلب على التحديات التقنية التي كانت تواجه المشروع، بينما نجد في عصرنا الحالي بعض المشاريع التي تتأخر بسبب أسباب غير منطقية لا علاقة لها بالتحديات أو التقنية، بل بالعامل البشري في التخطيط أو التقدير أو التنسيق وغيرها من الجوانب السلبية التي لا تستند إلى أساس متخصص أو فني.

ولذلك، يجب على الأطراف المشاركة في المشاريع الإنشائية أن تتعلم من درس هرم خوفو، وأن تتبع الإجراءات والإستراتيجيات التي تساعد على تجنب أو التقليل من التأخيرات، وأن تسعى إلى إنجاز المشاريع في الوقت والميزانية المحددين.وفي نهاية المقال، نطرح السؤال: هل يتفوق هرم خوفو في طريقة بنائه على بعض المشاريع في عصرنا؟ الجواب لدى العقول التي تدير المشاريع الإنشائية، كلٌ حسب كفاءته وقدراته.